الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين سماه مكسيم غوركي: "بداية البدايات في الأدب". وهو أعظم شاعر في روسيا فهو شاعر الحرية. كما سماه الناقد الروسي الكبير بيلينسكي "موسوعة الحياة الروسية".
بوشكين هذا [ 5, 13] اهتم بالقرآن وأعجب به بل شغف به شغفاً عظيماً. ومن فرط إعجابه به تأثر بآياته وبسيرة وشخصية النبي العربي محمد (ص). وقد تأثر الشاعر بأفكار الإسلام التي تدعو للحرية وللعدالة والمساواة ومقاومة الظلم [5]. وربما تكون «محاكاة القرآن» من أهم أعمال بوشكين من وجهة النظر الفكرية والجمالية.
أقسم بالشفع و بالوتر ،
أقسم بالسيف و بمعركة الحق ،
أقسم بنجمة الصبح ،
أقسم بصلاة العصر .
كلا ، أنا ما هجرتك .
فمَن إذن شملتُ برعايتي ،
و أنزلت السكينة عليه ،
و حميته من المطاردة القاسية .
ألستُ أنا الذي سقيتك
من ماء الصحراء في يوم العطش ؟
ألست أنا الذي وهبت لسانك
سلطاناً عظيماً على العقول ؟
كُنْ شجاعاً إذن ، احتقر الخداع ،
اتبع درب الحق بهمة عالية ،
أحبب اليتامى ، و بشر بقرآني
للمخلوقات الضعيفة .
يا نساء النبي الطاهرات ،
يا مَن تتميزن عن كل النساء :
بالنسبة لكنَّ مرعب شبح الخطيئة .
في ظلِّ الطمأنينة الرغيد
عِشْن بتواضع : وجب عليكن
حجاب الفتاة العازبة .
و لتحفظنَ قلوبكن وفيةً
لأجل التنعّم شرعاً و حشمة ،
و لكي لا ترى عيون الكفار
الماكرة وجوهكن !
و أنتم ، يا ضيوف محمد ،
حين تتوافدون للسهر عنده ،
احرصوا على ألا تعكروا
النبي بشؤون دنياكم .
عند تحليق أفكاره بالصلوات
هو لا يحب المتحذلقين
و الكلام الفراغ غير المحتشم :
اكرموا مائدته بوداعة
و بانحناء عفيف
لزوجاته الشابات .
وقد قرأ بوشكين "ألف ليلة وليلة" وسحرته حكاياتها المليئة بالخيال وانعكس ذلك في ملحمته الشعرية "روسلان ولودميلا" وفي قصيدة "البلسم".وقد استخدم في هذه القصيدة كلمات عربية كثيرة مثل: الطلسم أو الطلسمان وقد دخلت اللغة الروسية مثلها مثل عشرات الكلمات الإخرى. كما كتب قصيدة جميلة من وحي "مجنون ليلى" بعنوان "ليلى العربية المتعالية". وله قصيدة [5, 71] بعنوان "محاكاة العربي":
فتى لطيف, فتى جذاب
لا تستحي, فأنت لي من زمان
ففي روحينا نار ملتهبة
ونعيش حياة واحدة
إني لا أخشى السخرية
فلقد اندمجنا معاً
تماماً كما فلقتي الجوزة
في قشرة واحدة
وقد كتب هذه القصيدة عندما كان منفياً في الجنوب في أوديسا الواقعة على البحر الأسود وهناك تعرف على بحار مصري ونشأت صداقة بينه وبين هذا العربي المصري الذي كان يتردد على ميناء أوديسا.
ومن أعظم قصائده قصيدة "النبي". وهي من أهم القصائد التي تعكس تأثر بوشكين بالقرآن وبسيرة الرسول العظيم محمد (ص).
زمن الجدير بالذكر أنه في عام 1880 في أثناء تدشين النصب التذكاري لبوشكين في موسكو (تمثال رائع) ألقى الروائي الشهير فيودور دوستويفسكي قصيدة (النبي) هذه مكتفياً بها. وقد قرأها بانفعال شديد وهذا ما يؤكد أنهاكانت قصيدة ثورية في حينها خاطب بها بوشكين ومن بعده دوستويفسكي الجماهير الجائعة من أجل الثورة. وله قصائد أخرى مثل: "المغارة" وهي من وحي السيرة النبوية.
ويعتبر تأثر بوشكين بالثقافة العربية والإسلامية نموذجاً للأدباء الروس. ولذلك من المفيد التوقف عند أهم الأسباب التي أدت إلى اهتمام بوشكين وانجذابه إلى تللك الثقافة وخاصة منها القرآن:
1) إن اهتمام بوشكين بالثقافة العربية والإسلامية هو جزء من الاهتمام الأوروبي والروسي بهما. لأن بوشكين كان يعرف جيداً مدى اهتمام اللورد بايرون وغوته وهيجو بالثقافة الشرقية –العربية- الإسلامية.
2) هناك دوافع ذاتية تتعلق بأصول بوشكين الشرقية – الأفريقية – الإسلامية ونسبه يعود إلى جده إبراهيم هانيبال الذي ينحدر من عائلة أمراء في الحبشة.
3) موهبة بوشكين العبقرية وقدرته على استيعاب الثقافات الأخرى. فقد قال بوشكين نفسه: " إن العرب ألهموا ملاحم العصور النشوة الروحية والرقة والحب ومناصرة الخير والبلاغة". [5, 260]
4) الوضع الاجتماعي والنفسي والسياسي للشاعر. مثلاً كتب قصيدته "محاكاة القرآن" عام 1824 م وهو في قرية نائية صماء صغيرة تدعى "ميخايلوفسكي" حيث كان منفياً في الشمال.
في تلك الفترة قرأ القرآن وبرز له شخص الرسول العربي صامداً صابراً فوجد في آيات القرآن الملجأ والملاذ في ذاك المكان القصي البعيد وفي ذلك الزمان الموحش وربما هذا ما جعله يقول:
في المغارة السرية
في يوم الهروب
قرأت آيات القرآن الشاعرية
فجأة هدَّأت روعي الملائكة
وحملت لي التعاويذ والأدعية
ولقد أعطى الناقد الروسي المعروف بيلينسكي تقييماً رفيعاً لقصيدة "محاكاة القرآن" لبوشكين ووصفها بأنها: "الماسة البراقة في تاج بوشكين الشعري وإن هذه القصيدة تعكس روح الإسلام وجمالية الشعر العربي".
ويورد مالك صقور [ 5, 166] ملخص آراء النقاد الروس والسوفييت حول هذه القصيدة في النقاط التالية:
1- نقل الجانب النفسي – الديني في القرآن.
2- تمجيد الله والإقرار بقدرته.
3- النزعة الإنسانية.
4- فكرة الإله الجبار.
5- نقل روح الشعر العربي الصافي.
6- السيرة الذاتية للشاعر.
7- عكس الجوانب الاجتماعية- الفلسفية.
8- تصوير الجوانب الاجتماعية الموضوعية: العادات والتقاليد والأخلاق والواقع المعاش والحياة الاجتماعية والحالة الثقافية للعرب.
9- الجوانب الجمالية والفنية الشاعرية.
10- عكس وتصوير المضمون الأخلاقي للقرآن والذي يتضمن: المواعظ والإحسان والصدقات والمساواة والعدل والحب.
11- نقل محيا الشعب العربي.
ويعد إيفان بونين ( 1870 – 1953 ) [6] من أعظم الأدباء الروس فقد نال جائزة نوبل للآداب عام 1933 واشتهر بشغفه بالشرق مما دفعه أكثر من مرة إلى زيارة بلدانه المختلفة ، حيث تعرّف على حياة شعوبها و على عادات أبنائها و تقاليدهم .. و قد انعكس إعجابه بالشرق و بأهله في أشعاره و في قصصه و مذكراته .. وله عشرات القصائد التي اختار لها عناوين عربي مثل: " ليلة القدر " ، " محمد في المنفى (الهجرة ) " ، " امرؤ القيس " ، " البدوي " ، ، " القاهرة " ، " القافلة " . و هذه بعض قصصه عن الشرق الأوسط : " الدلتا " ، " بحر الآلهة " ، " اليهودية " ، " ظِلّ الطير " ، " معبد الشمس " ، " صحراء الشيطان – كلها تحكي عن مصر ، لبنان ، فلسطين ، عن الخلود و لحظية الحياة .
أما القصائد " الإسلامية " فهي كثيرة جداً عند بونين لدرجة أنه لو لم تكن معروفة تفاصيل حياته اليومية و كينونته ، لكان من الممكن الاعتقاد أن هذا الأخير بين الكتاب الروس الكلاسيكيين العظام – لم يكن يفارق القرآن أبداً ، كما لو أنه كان يحمله معه في حقيبة سفره طوال حياته . بل إن الواقع هو كذلك . فقد كانت نسخة من القرآن بترجمة أ . نيكولاييف ( لقد تم التثبت من أنها نسخة صادرة في موسكو عام 1901 ) بالنسبة لإيفان ألكسييفيتش بمثابة واحد من أهم و أكثر الكتب المقروءة لديه . ففي القصائد ، المملوءة بنفحة الشرق الإسلامي ، نجد أن الشاعر الروسي كان يتبع القرآن بشكل مباشر ، و أحيانا كان يكرر آيات الكتاب المقدس للمسلمين . عدا ذلك ، إن بونين قد تابع بإحساس الوارث الشرعي الخاص تقاليد بوشكين و " محاكاته للقرآن " .
لقد سافر بونين في أرجاء الدنيا أكثر بكثير من جميع أولئك الشعراء . و رغم ذلك ، فإنه كان من جديد يلبي النداء القاهر و يعود إلى بلاد الإسلام ... لكن القصائد ، التي تم نظمها أثناء الرحلات أو التي ظهرت إلى الحياة عن طريق الذكريات ، كانت تخرج قبل كل شيء من الإحساس المباشر بالأرض و الهواء في البلدان المكتشفة ، المدن و البلدات ، الحدائق و الصحارى التي اغرم بها .
هنا مملكة الأحلام . على امتداد مئات الفراسخ
الشواطئ مقفرة عارية مالحة .
لكن الماء فيها – بلون الزمرد و السماء
و الحرير الأبيض أشد بياضاً من الثلج .
في حرير الرمال مجرد نبات الشيح الأزرق
يرعاها الله لأجل قطعان الغنم الرحّل ،
و السماوات هنا زرقاء لدرجة لا تصدق ،
و الشمس فيها – كما نار جهنم ، سَقر .
و في ساعة القيظ ، حين السراب المصقول
يُغْرِقُ العالمَ بأكمله في نوم عميق ،
في بريق لا نهائي ، خلف حدود الأرض الحزينة ،
يحمل الروح إلى حدائق الجنة .
و هناك يجري ، هناك يصب خلف الضباب
نهرُ كل الأنهار ، الكوثر اللازوردية ،
و لكل الأرض ، لكل القبائل و البلدان
يمنح الهدوء . اصبر ، صلِّ – و آمن .
ففي العشرات من قصائده نجد هذا المسيحي الارثوزكسي الغيور ، الذي يفاخر بأصوله الروسية النبيلة ، و قد استطاع أن يتقمص بالكامل شخصية المسلم ، الدرويش المتجول ، و الحاج إلى المقدسات. و تارة يتحول إلى مغنٍّ يتغنى بالهناء في أجواء الحريم ، و أحيانا أخرى إلى شاهد على خلق العالم من قبل الله و شاهد عيان على يوم الحساب العظيم.
ففي بعض القصائد ، مثل " ليلة القدر " ، " تسبيح " ، " الحجر الأسود للكعبة " ، " المقام المقدس " ، " أبراهام . القرآن ، السورة السادسة ) ، " إبليس و الإله " ، " الطير " ، محمد في المنفى " ، " الفقير " ، " الخالد " ، " عرش سليمان " ، " الحجيج " ، " يوم الحساب " و في مجموعة أخرى من القصائد المكتوبة في أعوام مختلفة ، نجد أن الشاعر الروسي يتحول إلى روحاني إسلامي متحمس ، بل و يظهر كمتصوف حقيقي .. و تعتبر قصيدة " السر " من عيون الكنوز الشعرية عند بونين [6]، تلك القصيدة المرفقة باقتباس من القرآن : " آلم .. " .
زفر على المِدية – و إذ بشفرةِ
خنجرهِ السوري
تلمع في الدخان الأزرق :
و في الدخان لمعت بوضوح أكبر
على الفولاذ رسوم ذهبية
محفورة بزخرفة من ذهب .
" باسم الله و النبي ،
اقرأ ، يا عبد السماء و القدر ،
نداءك المهين : قل ، بأي
شعار قد زُيِّن خنجرك ؟ "
قال هو : " شعاري رهيب .
إنه – سر الأسرار : ألف . لام . ميم " .
" ألف . لام . ميم ؟ و لكنها إشارات مبهمة
كما الطريق في ظلمة الحياة الآخرة :
أخفى سرّها محمد ... "
" اصمت ، اصمت ! – قال بحدة –
لا إله إلا الله ،
أكثر الأسرار بأساً – لا سّر اكبر " .
قال ، لامس بالسيف ذو الحدين
الجبين تحت عمامة الحرير ،
و ألقى على أتميدان القائظ
نظرة فاحصة كسولة كطير جارح –
و أخفض رموشه الزرقاء الهادئة
من جديد على السيف ذو الحدين .
...................
وهذه اضافة توضيحية قد تهم من يقرأ الموضوع
منقولة
من رابطة أدباء الشام
|